مدين بن عبد الرحمن القوصوني المصري
2
قاموس الأطباء وناموس الألباء
ما قدّمه المتقدم وهو سهو عظيم إذ لكل مجتهد نصيب قل أو كثر جل أو صغر فكما ان الأوايل فازوا بالسبق إلى استخراج الأصول وتمهيدها فالاواخر اشتغلوا بتفريع الأصول وتشييدها وكما أن الأوايل تفضلوا على من بعدهم بالتأسيس والتمهيد فالاواخر قضوا حق من بعدهم بالتخليص والتجريد انتهى وقد أجاد واحد الزمان وفريد الاوان ذو التحقيق والفصاحة والتدقيق والبلاغة افصح اللغويين محمد شمس الدّين في قاموسه حيث قال ولو لم اخش ما يلحق المزكى نفسه من المعرة والدمان لتمثلت بقول أحمد بن سليمان أديب معرّة النعمان ولكن أقول كما قال أبو العباس في الكامل وهو القائل المحق ليس لقدم العهد يفضل الفايل ولا لحدثانه يهتضم المصيب ولكن يعطى كل ما يستحق انتهى قلت قوله الفايل بالفاء اى المخطى والمراد بقول أديب معرة النعمان قوله وانى وان كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوايل وقال ابن عمار رحمه الله انا ابن عمار لا اخفى على أحد * الا على جاهل بالشمس والقمر ان كان اخّرنى دهري فلا عجب * فوايد الكتب يستلحقن في الطرر هذا وان كل علم فإنه يشرف على غيره اما بحسب موضوعه ولا شك ان العلم الإلهي اشرف العلوم لان موضوعه اشرف موضوع لان المبحوث عنه فيه هو ذات الله وصفاته والطب يجب ان يكون بعده لان موضوعه بدن الانسان الذي هو اشرف مواليد الأركان واما بحسب شدة الحاجة اليه في كل حين وأوان وحيز وزمان ولا شك ولا ارتياب عند ذوى الألباب ان الحاجة إلى الطب أشد منها إلى غيره لان كل علم لا يمكن تحصيله الا بعد صحة الأبدان الانسانية وسلامتها من العلل البدنية والنفسانية ومما يستدل به على شرفه أيضا أمور منها ان الانسان إذا عرف علم التشريح عرف قدر ما أودعه اللّه في هذا البدن النحيف والهيكل اللطيف الشريف من الاسرار الخفية المحيرة للعقول الزكية وإذا عرف ذلك كذلك كان ذلك له من أقوى الدلايل وأعظم الوسايل إلى اعترافه بالخالق الحكيم الذي أحسن كل شئ خلقه وهو الخلاق العليم ومنها انه إذا اطلع على ما في كل عضو من اقسام الأسقام وأنواع ما ألم به من الآلام وعلم أنه سبحانه وتعالى وضع في مقابلة كل داء دواء ولكل ألم شفاء دله ذلك على عنايته تع بهذه البنية الضعيفة والخلقة النحيفة فلا يزال ينتقل كل لحظة من برهان إلى برهان وكل لمحة من مشاهدة احسان إلى احسان ومنها ان الطبّ يفيد الحياة الفاضلة والصحة الكاملة والحياة مع الصّحة أفضل منها مع المرض ومنها انه يوصل العطية والنفع إلى الغير وكلما كانت العطيّة أفضل كان المعطى لها أفضل ومنها ان معطى الذهب إذا كان يسمى جواد فمعطي الصحّة بذلك أولى ان ينادى ومنها ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم انه تداوى وامر بالتداوى فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت كان لا يصيب النبي ( ع م ) قرحة ولا شوكة الا وضع